
يمضي الليل سريعا وبعدُ لوحتي تلبس الأبيض.
أصعب لحظات الرسم كسر حاجز البياض، أن تقترف تلك الجرأة الأولى. و بعدها ينكسر حاجز الخوف...
يرى الناس نجاحاتنا في الرسم، لكنهم لا يرون الخيبات. لا يشهدون الحروب الصامتة التي تدور بينك وبين الأبيض.. لحظات الدوار، الضياع وحتى الغرق، وأنت تبحث عن موطيء آمن لقدمك الحافية مابين الأشواك.
حين يندفع الهواء فجأة ليملأ رئتيك و يتدفق الدم بضراوة إلى رأسك وحتى أطراف أصابعك المرتفعة عن سطح الأرض، في تلك اللحظة يعود إليك اليقين؛ وتعرف! تعرف لم تمارس هذا الجنون.
لكني لا أظن أن رهبة الحرب هي تحديدا المشكل الذي يجعلني أجلس هنا أكتب بدل المواجهة التي وعدت نفسي، لكنه الانزعاج، وضيق القيود.
العمل على فكرة واضحة تطلبت تخطيطا و رؤية يختلف كثيرا عن ترك روحك على سجيتها، و ترك فرشاتك تفعل ما تشاء، دونما قيد. لكني اليوم أضع لنفسي بعض القيود علّي أهذب قدراتها. لا استسيغ المرارة اليوم لكني قد أجد حلاوة هذا الدواء غدا.
تصلني عدة هدايا غير متوقعة، وتضحكني كثيرا - وتدفيء قلبي - قطعة شوكولا من جارة يبدو أنها تراني طفلة صغيرة فتبعثها مع أمي.
أتذكر هدايا سابقة؛ ويخطر لي - ربما للمرة الأولى- معنى أن يكسر شخص عادته بعدم إحضار هدايا لأحد ليعود إليك محملاً بها، ومعنى أن لا تقبلها منه!
أعود للوحتي الليلية وأجد مقهى فان جوخ يرتسم في ذاكرتي. يقتحم أفكاري طوال أسبوع كامل هذا الفان جوخ، منذ استيقظت ذات دهشة من حلم يتوسطني وإياه نلبس دهشة متطابقة ترسم ألوانها على وجهينا المتقابلين...
ابحث بين أشيائي عن صور رسائله لأخيه "ثيو" - وآخرين- علّي أفهم لكني لا أجدها..
اقرأ عن آخر تسحرني أعماله، وأجد أني أحب فيه حتى غروره الطاغي الذي ينفرني بطبعي... أتمعن في لوحات تأسرني، أقرأ عنها، و اندهش لإسقاطات آخرين و تحليلاتهم التي تقرأ لوحاته كأنها صفحات من مذكراته...
مازال في الليل باقٍ، وآن لي أن أعود لمواجهتي مع الأبيض..
19 فبراير, 2007 12:02 م