
* رب اجعلني في عيني صغيرا و في عيون الناس كبيرا

* رب اجعلني في عيني صغيرا و في عيون الناس كبيرا

في الرسم نتعلم النظر إلى الأشياء من زوايا مختلفة. نتعلم النظر ببساطة أكثر، فنعري الأشياء إلى أشكالها الأولية المجردة لنعيد تركيبها قطعة قطعة، شكلا فشكلا لتتكون أمامنا من جديد جسماً على ورق/قماش.
هذا العام؛ اعترف أخيرا بنفسي. أوقن أني ولدت لأرسم. هل من الجنون تماما أن أقول ذلك؟
بغض النظر عن المنغصات، الصعوبات أو المستحيلات- وما أكثرها- أعرف أني أمارس العمل الصحيح وقد أتعلم التعرِّيف عن نفسي كـ"رسامة" دون أن يشتعل وجهي خجلا أو أشك في صدقي...
تتغير أمور جمة ولا يتغير شيء أبدا.... ترتفع أسوار الحلم شاهقة ويطيح سقف كفايتي بكل مألوف ومقبول. بعيدٌ جدا عن متناولي ولا غنى عنه. لا أدري لم أحلامي خارقة في بساطتها للعادة! اكتشف هذا العام أن المرسم لا يكفي، وأني بحاجة للشارع و الناس، للتجوال ما بين الحديث والقديم، للرسم في الهواء الطلق! أي سقف هذا للوصول إليه هنا!
اذكر بداية هذا العام واستبشاري بأمور لا أعرفها، حتى الآن كل الأصابع تشير نحو الرسم. من يعرف قد يأتي وقت ويرتفع سقف الكفاية لأعلى من ذاك بكثير وقد تطاله يدي... مازلت متفائلة.


مؤخرا تعثر أحدهم بموقعي الإلكتروني- الفني- وأعلمني أنه بعثه لكل من يعرف لسعادته البالغة وفخره بي قريبته! شعرت ببعض الخجل أن لم أفصح لهم من تلقاء نفسي، وتضخم بعد أن اتصلت بي شقيقتي لتعرب لي عن دهشتها... ماذا ستقول إن علمت أن لدي لوحة تحمل اسمها لم أخبرها عنها...

سنتركنا قليلاً من هموم رحلات حجزت- قسراً- في موانيء الانتظار حيث ترقب إطلاق سراحها بين دفتي الرجاء والقنوط، ونتحلق حول الفرح.
متى كبر الصغار وصاروا رجالاً. وأنت يا صغيري الذي لازلتُ أشاكس وأشد أذنه؛ متى باغتتني وأصبحت رجلا. ومتى، متى تقمص وجهك ملامح أبي.
*برد وسلام لروحك وجسدك المتعبين. هل أدركت بعد أنه وقت الفرح؟
صارخ يومي في كل شيء. برودته و أمطاره، بتقافز العصافير بفرح صاخب حول برك الماء والسدرة الشاهقة كأنها هي أيضا لا تصدق أجوائنا الشتوية.
لازلت أعجب لمنظر السماء المحملة فأحدق طويلا في المزن وغياب الشمس، في الأرض المبتلة ويدي المرتعشتين لأوقع في قلبي اليقين بأني لا أحلم.
أحس بتوحد –غريب- معها الآن بعدما قررت الاستسلام و الخروج إليها بذراعين مفتوحتين.
استمع إلى هواجس "عمر الخيام"على عود "منير بشير" فتملأ قلبي قبل أذني. وأنامل "ياني" وروحه المتوسطية الصاخبة وهي تنسج الحكايا بسحر يخاطب روحي. ويخطر لي أن أتسائل بسذاجة الأطفال وتطير المسنين إن كان يمكن أن يفقدها الآن بدون خصلاته الغجرية.
كثير من السلام أجد هنا - في جيران- بين أرواح دافئة تدادي قلقي وتنفث فيّ السلام. اشتقت اليوم لصباحاتهم ومسائاتهم. لا حُرِمتُكم
ليس ذنبي! كيف لي أن أتعلم هذه الأمور اليوم؟ كيف أنسى من شاطرتهم اللعب وأحلام الطفولة من كل عرق ولهجة ولغة، كيف أرسم حدود وهمية بيني وبينهم. جيراني الذين عشقت قططهم الصغيرة. صديقي الصغير الذي كان يجلس بجانبي في الفصل و يحضر لي حبات الحلوى التي أحب. مدرستي اللطيفة كاسمها ورسمها وهي تجلس في صفها في لحظات الصفاء تستمع لسمفونياتها. أستاذة التشريح التي أهدتني دفتر تلوين محبب "للأطفال" لأني حصلت على درجة نهائية، أستاذي الذي لم يكن يناديني إلا بسيدتي لأن هكذا تربى. زملائي الذي بادروا بكسر عزلتي وغرقي في سماع "انريكي اجليسياس" وعملي وأصروا أن أفطر معهم كل صباح... وغيرهم كثيرون...
كيف أرسم الحواجز بيننا. وكيف، كيف لا أحبهم؟ فات الأوان.
لا أعرف لم تفاجأت حين عرفت أن أمي تتوقع متي تزوجت، أن يكون رجلا من بلدي. بدا لي أنها ضيقت واسعا. قد تضحكون كثيرا و قد يكون الأمر بديهيا لدى كثيرين منكم ولكنني تفاجأت... ربما لأنه لم يسبق أن ناقشنا الأمر كونه أمر لم يعنيني، أو لأني افترضت أن "من ترضون دينه وخلقه" يكفي...
قد تصدم كثيرا إن عرفت بعض آرائي بهذا الخصوص، لكني سأحاول لعب دور البنت البارة واصمت (قليلا)، وأترك المارد نائماً في قمقمه.
كان أحد جيراننا أمريكيا مسلماً، تزوج هنا. نادرا ما سمعت رجلا يُمدح مثله. بدا لي مضحكا جدا أنه بعد سنوات، حين تطلقا لم يتذكر أحد شيئاً سوى كونه أمريكيا، وكأنه سبب.
من قال أن طلاقاً من قريب نصيب ومن غريب سوء اختيار. ومن قال أن تعاسة مع قريب خير من سعادة مع غريب. بيني وبينكم العقل، اقنعوني.

اعتقد أن الأيام القادمة ستكون قاسية عليّ قليلا، ولن تخلو من بضع مفاجآت غير سارة.
تدريجيا بدأت اتنبه لحقيقة معنى احتراق ذاكرة حاسبي. مفاجئة اليوم كانت كتابي المفقود.
انهيت ثلثها الأول ثم توقفت لأني لم أكن مطمئنه لسيرها أو لأي من الآراء التي سمعت...
أكاد لا أصدق أني لم احتفظ بنسخة، أنا التي لا تثق بالحاسب!
نفرت منه بداية ً وآثرت أن أفرد ورقي و روايتي على مكتبي كما فعل آلاف قبلي. أي عمل مضن ٍ ممتع!
وكأني بي أرى المنفلوطي جالسا إلى طاولته يتمعن في "سيرانو دي برجراك"،
أتذكره وأنا أطالع "كليلة ودمنة"، وأنا أصور قصصه الصغيرة على ورقي،
حالمة بتصويرها كلها في عمل يرضيني... وأفكر في كل ما فُقد من ترجمات كان يحلم بايصالها إلينا حينما باغتته تلك الميتة البشعة...
كتابي الموؤد؛ ثُكلتك قبل أن ترى النور!
غدا سأبحث عن بقاياك المحترقة. كما العنقاء؛ علك تبعث من جديد.

في طفولتي كنت استغرب هذه الأسئلة. و استغرب أكثر غياب جواب واضح لدي. فأسأل نفسي: أيعرفون من الآن ما سيفعلون بعد 15-20 عام؟ هذا يقول مهندس، وتلك مدرسة, هذا وهذه…. أكلهم يعرفون؟ استغرب ثم أجيب بعد شيء من التفكير العقلاني طبيبة أطفال. يبدو لي خياراً معقولا. الأطباء يساعدون الناس وكذلك أحب الأطفال. ثم أعود لمتابعة اللعب…
حين كبرت أكثر توقفت عن الإجابة عن مثل تلك الأسئلة. في عالم أبعد ما يكون عن العمل، ولا يعرف سوى المقررات الدراسية واللعب، أنى لي أن أعرف؟ وقد يكون أني لست حالمة بعكس الغالبية من الناس. حسن إذن، قدر الله وماشاء فعل.
كما أن تفكيري كان مرتبطاً بالحاضر أكثر منه بالمستقبل البعيد. لا زلت أذكر يوم طلبت إلينا الآنسة في صف الإنجليزية كتابة موضوع نتخيل فيه حياتنا بعد عشرسنوات. أين تراني أكون، وكيف أعيش… لم يمكني تخيل نفسي خارج أسوار المدرسة التي قضيت فيها عمراً ولم أكن لأستعجب أكثر إن طلبت إلي قراءة فنجان قهوتي ( التي لم أكن أحتسيها وقتها) أو الإستعانة بلوح ويجي. اكتفيت بكتابة بضعة سطورتقليدية لا تشبهني بشيء، بأحروف كبيرة لتأخذ أكبر مساحة ممكنة.
لم اكتشف أو اتنبه لمساحة الحلم في حياتي حتى وقت قريب. كثيرة الأحلام التي مازالت ذاتها تراودني منذ الطفولة. تحقق شيء منها ومازال الآخر قابعاً بصبر في صالة الإنتظار.
ما يدفعنا للحلم؟ للتعلق بالمستحيل أحياناً؟ أمن العدم أضغاث أحلام أم أن أرواحنا تدرك بغريزتها أنه القدر ينادينا، فتأبى إلا متابعة الطريق.
حين يجيء هو- الحلم- ساعيا إليك، معترضاً طريقك ألا يكون قدرا؟
في لحظات كتلك، لو أننا نعي فقط، لخررنا ساجدين مسبحين بحمد الرازق الوهاب بكرة وعشياً.
(اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك).
أطلت الحديث حتى أني لم أبدأ الكلام عن الحلم الذي دفعني لكتابة هذه المدونة. سأرجؤه ليوم آخر إن شاء الله.